الرحمة المهداة .. القدوة والأسوة

نشر بتاريخ: ثلاثاء, 28/11/2017 - 8:31م

عندما نطل على التاريخ قبل مولد النور نشاهد المأساة التي كانت تعيشها البشرية وخصوصاً المجتمع العربي حيث وصل الحال إلى مستوى رهيب من الظلم والتظالم ، فحياة الغاب هي السائدة حينها وصلت إلى حدود وأد البنات وهن حيات ، وفي جانب العقيدة ساد الشرك بالله سبحانه حتى عبدوا الحجر !!

ويصل طغيان الشرك ذروته حينما تنصب الأصنام فوق الكعبة المشرفة ليطوف الجميع رجالاً ونساء وهم عراة ، ويصل الغباء منتهاه حينما يزعمون أن في ذلك قربة وعبادة لله . هذا عن المجتمع العربي أما غيره فإن الحديث عن وضعه الاجتماعي والديني قد يصل إلى مستوى كبير من الغرابة حتى وصلوا إلى مستوى عبادة النار والبقر وغيرها .

ما أحوج أمة في وضع كهذا إلى المنقذ ، وإلى النور في دياجير هذا الليل البهيم ، ومن هنا ندرك أهمية وعظمة (ميلاد النبي الكريم ) كما ندرك كذلك مدى رحمة الله سبحانه وتحننه ورفقه وكرمه ولطفه بعباده !!

من هذه المقدمة البسيطة أحببت الولوج لبعض النقاط المهمة والتي نحتاج إليها في مسيرتنا الجهادية وتتمثل في الآتي :

أهمية معرفة الرسول (صلوات الله عليه وعلى آله)

حينما يقول الله سبحانه مخاطباً رسوله الكريم ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ ﴾ ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً * وَدَاعِياً إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجاً مُّنِيراً ﴾ ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ وغيرها من الآيات في وصفه وما كان يتحلى به من مميزات في السلوك والأخلاق وكل صفات العظمة .. كل هذا يشدنا – إذا تأملناه – إلى معرفته كمنقذ للعالمين ، كرحمة مهداة من أرحم الراحمين ، كنبراس وعلم ونور وضياء، ولهذا – وكما يقول سيدنا الحسين بن بدر الدين رضوان الله عليه إن القرآن الكريم هو أهم مصدر لمعرفة الرسول الكريم  صلى الله عليه وآله وسلم.

إن معرفة الرسول معرفة صحيحة لها الأثر الكبير في النفس والمشاعر حيث تتولد عنها معرفة العظمة بكل مقاييسها ، والسمو في أجلى صوره ، والكمال في أبهى وأروع وأرفع ونهاية ما يمكن أن يصل إليه العقل البشري في تصور الإنسان الكامل ، وإن معرفة هذه المفردات أمر مهم للإنسان كونه مفطوراً على حب الكمال والتكامل والسمو والتسامي ، وعلى بغض وكراهة الضعة والدناءة والضعف ونحوها من الصفات الوضيعة.

وهذا هو الميدان الذي يتنافس ويتسابق فيه أصحاب الهمم العالية والطموح القوي ، لهذا فإنهم ينظرون إلى مبدأ الكمال البشري من خلال من يرون أنه يجسد الكمال فعلاً حتى ينطلقوا على خطاه, إذ بذلك يختصرون الطريق بعد التأكد أنها سالكة أمام البشر، ويبتعدون عن عالم المثاليات التي توحي بأن طريق الكمال مسدود لا مجال لسلوكها إلا لعدد محدود فقط ، وبهذا نخلص إلى القول : إن الله سبحانه قد أودع بداخل الإنسان طاقات كبرى تؤهله لبلوغ المراتب العالية إذا ما سعى وفق السنن الإلهية وعبر الهدي الذي أنزله دليلاً وهادياً ونوراً يضئ الطريق أمام كل السالكين في مدارج الكمال .

الرسول القدوة..

مما تقدم عرفنا أن حب الكمال والتكامل غريزة لدى الإنسان وفطرة فطره الله عليها . وأن الرسول الكريم صلى الله عليه وآله وسلم  قد مثل منتهى الكمال البشري وصار أعظم وأقدس وأعلى شخصية في الوجود البشري عبر الزمن .

والآن لا بد من القول : إن معرفة كل هذا ليست هي الغاية بل إنما هي وسيلة لقضية مهمة وربما هي صلب الموضوع والمحور الذي يدور حوله الحديث ، هذه القضية وهذا المحور هو (القدوة والأسوة ).

إننا حينما نقرأ القرآن الكريم وما دعا إليه من خصال الكمال من الفضائل من السجايا من مكارم الأخلاق نؤمن بأن ذلك من الله العليم الحكيم وأنه حق وصواب وفيه الفوز والسمو والرفعة والنجاة في الدنيا والآخرة..

غير أن من رحمة الله بنا أن يوجد لنا كل هذه المعاني مجسدة في بشر مثلنا كي نتأكد أنها في متناولنا وإنما يكون التقصير نابعاً من داخل نفوسنا حينما ننساق وراء الشهوات ونخلد إلى الراحة والكسل ونبقى نُسَوِّف العمل مما يؤثر على العزائم التي هي الوقود لبلوغ المراتب العالية، فالعزيمة للإنسان كالجناح للطائر وكلما استسلم الإنسان للخمول والكسل كلما ضعفت الهمة وخارت العزيمة، وإننا – في ذكرى مولد الرسول الكريم صلى الله عليه وآله وسلم – مدعوون لاستلهام كل معاني الكمال والانطلاق والعمل من هذا النبي الكريم لنجعل من هذه المناسبة منطلقاً نحو أفق جديد في حياتنا حافل بالتأسي والاقتداء بسيد الرسل، وهذه المسألة لا تخضع لاعتبارات مزاجية أو أنها من الكماليات، كلا.. إنها توجيهات الله جل وعلا حين يقول ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً﴾  كما يقول لرسوله الكريم نفسه موجهاً له نحو الاقتداء بمن سبقه من الرسل والأنبياء صلوات الله عليهم ﴿أُوْلَـئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ ﴾ فالرسول محمد صلى الله عليه وآله وسلم  احتاج إلى أن يكدح في سبيل الوصول إلى الغاية التي وصل إليها وهذا هو سر عظمته وذلك سر الابتلاء في هذا الوجود ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً ﴾ ﴿يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلَاقِيهِ﴾.

نحن بحاجة إلى الإيمان والخشية لله .. أفلا يكون لنا في الرسول قدوة وهو الذي كان يبكي من خشية الله حتى يسمع لصدره أزيز كأزيز المرجل حينما يقف في الصلاة بين يدي الله .

نحن بحاجة إلى الشجاعة والإقدام والثبات .. أفلا يكون فيه أسوة وقدوة وهو الذي قال عنه سيد الشجعان أمير المؤمنين علي عليه السلام »كُنَّا إِذَا احْمَرَّ الْبَأْسُ اتَّقَيْنَا بِرَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وآله«.

نحن بحاجة الأخلاق و السماحة .. أفلا يكون الرسول لنا قدوة وهو الذي قال الله فيه ﴿ وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾.

نحن بحاجة إلى حب الناس والرحمة والإشفاق والحرص على نجاتهم ، أفلا نقتدي به عليه السلام والله يقول ﴿لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ﴾  وهكذا في سائر خصال الكمال وكل مكارم الأخلاق نحن بحاجة إلى أن نتأسى ونقتدي بالرسول الكريم كونه المثل الأعلى والقدوة الحسنة لكل من ينشد معالي الأمور من أهل العزائم القوية والإرادة الصلبة والأهداف السامية .

من كل ما سبق يقفز إلى الواجهة هذا السؤال :

ماذا يعني لنا إقامة ذكرى مولد الرسول؟

إن إقامة هذه الذكرى الكريمة تعني إحياء للرسالة المحمدية وإحياء لشخصية الرسول الأكرم في وجدان الأمة وفي مشاعرها وأحاسيسها حتى تحس وتشعر وكأنها تعيش عصر الرسالة وتعايش إشراقة الإسلام على دنيا الجهالة والظلم والكفران فتشرق في القلوب أنواره الزاهية فيزدهر الإيمان وتترسخ مفاهيم القرآن وتترنح شرعة الطاغوت وتتهاوى معاقل الكفر والطغيان والتسلط تماماً كما تهاوى إيوان كسرى وتهاوت رموز الكفر من أصنام الحجر والبشر يوم أشرقت الدنيا بطلعة نبي الهدى عليه وآله أفضل الصلاة والسلام
إن الاحتفاء بهذه الذكرى العظيمة يعد إظهاراً للشكر على أعظم نعمة مَنَّ الله بها على البشرية ، وإظهار البهجة والفرح في هذه المناسبة مما ندب إليه الشرع الشريف حيث يقول عز من قائل ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ﴾ وأي فضل وأي رحمة أعظم وأجل من رحمته سبحانه بإرسال خير الرسل وسيد ولد آدم وإهدائه لهذه الأمة ؟!

وتبقى مسألة (الأسوة والقدوة) هي المحك الذي يترجم عظمة هذا الرسول الكريم في نفوسنا وحبه وتقديسه في مشاعرنا، لتتحول كل المفاهيم التي جاء النبي محمد من أجلها إلى واقع عملي ينعكس على الحياة إيماناً وتسليماً ، وجهاداً وتضحية ، وإخلاصاً وتفانياً  من أجل الحق والعدل والتحرر ، وحباً ومودة وإيثاراً ، ليسود الإخاء والوئام ، وتواصياً بالحق والصبر حتى يسود السلام والأمان ، وتمسكاً بالقرآن وسيراً على هداه ليعم الخير كل مناحي الحياة، ومودة لذوي القربى وانطلاقاً في أثرهم وعلى منهاجهم لكي نفوز بالنجاة ، لأنهم قرناء القرآن وتراجمته ، وهم سفينة النجاة أمام أمواج الضلال المتلاطمة الزاحفة من كل اتجاه ، بهم أوصى الرسول وأكد ، وبإتباعهم أعلم وأرشد, حتى جعل مودتهم هي الأجر الذي يريده على تبليغ الرسالة كما قال سبحانه ﴿قُل لَّا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾.

 وهكذا يجب أن نفهم ماذا يعني إحياء هذه المناسبة الشريفة وأنها تتطلب عملاً جاداً، وتغييراً واضحاً في سلوكنا وتعاملنا ، وانطلاقنا في كل الميادين في مواجهة الطاغوت طاغوت الأهواء والنزوات الشريرة في النفوس ، وطاغوت الأصنام البشرية التي جثمت على صدور أبناء الأمة المسلمة كل هذه الحقب المتطاولة .

فهنيئاً هنيئاً أتباع الرسول محمد بهذه المناسبة الغالية ، وسحقاً سحقاً للطغاة الظالمين الذين يدعون أنهم من أتباع هذا النبي الكريم وهم يسخرون كلما يملكون ويبذلون ما بوسعهم من الأموال والجهد لإطفاء نوره استجابة لتوجيهات أسيادهم من قوى الاستكبار العالمي بقيادة أمريكا وإسرائيل ، ولكن يأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون . والعاقبة للمتقين