نبذة من حياة السيد العلامة المولى محمد بن علي المنصور

نشر بتاريخ: أحد, 19/12/2021 - 8:51م

نسبه الشريف:

محمد بن علي بن محمد بن علي بن عبدالله بن أحمد بن علي بن أحمد بن الإمام المنصور بالله الحسين بن القاسم بن الإمام المؤيد بالله محمد بن الإمام المنصور بالله القاسم بن محمد بن علي بن محمد بن علي بن الرشيد بن أحمد بن الأمير الحسين الأملحي بن علي بن يحيى بن محمد بن يوسف بن الإمام القاسم بن الإمام الداعي إلى الله يوسف بن الإمام المنصور بالله يحيى بن الإمام الناصر لدين الله أحمد بن الإمام الهادي إلى الحق يحيى بن الحسين بن الإمام القاسم بن إبراهيم بن إسماعيل بن إبراهيم بن الحسن المثنى بن الإمام الحسن السبط بن الإمام علي بن أبي طالب عليهم السلام.

مولده:

ولد في ثاني عشر من شهر رمضان الكريم سنة 1351هـ إحدى وخمسين وثلاثمائة وألف هجرية بقرية البكرين مديرية المدان بالأهنوم ونشأ في حجر والده على الصلاح والتقوى والعلم وقرأ عليه القرآن وأتقنه وختمه وهو في التاسعة من عمره، وحفظ على يديه متن الأزهار في الفقه والمفتاح في الفرائض وسمع منه الآجرومية، وملحة الإعراب، وكافية ابن الحاجب في النحو، ومقدمة ابن الجزري في التجويد، وغاية السؤول في علم الأصول، وسمع منه غير هذا فيما بعد.

مشائخه ومقروءاته:

ولما بلغ الرابعة عشرة من عمره هاجر للقراءة في عدة علوم على عدة مشايخ بعدة مناطق.

منهم: شيخ الإسلام القاضي العلامة المولى أحمد بن قاسم الشمط (ت1373هـ) حيث سمع منه بهجرة معمرة شطراً من شرح الأزهار، والجوهرة في الفرائض، وشطراً من الأساس للإمام القاسم بن محمد ومن سراج القارئ في القراءات وسمع مؤلفات شيخه المذكور في أصول الدين والآداب والنحو.

ومنهم: السيد العلامة العباس بن أحمد إبراهيم (ت 1376هـ)

سمع منه بجامع المدان شطراً من إيثار الحق على الخلق، ومن العلم الشامخ، وجوهرة الفرائض، وشرح مقدمة الجزري.

ومنهم: السيد العلامة مطهر بن يحيى الكحلاني (ت1377هـ) سمع منه بهجرة معمرة أكثر (شرح الأزهار)، و(شرح الجوهر المكنون)، و(شرح التلخيص)، وشطراً من (الكشاف)، و(حاشية السيد على كافية ابن الحاجب) و(الخبيصي) عليها، وشطراً من (آيات الأحكام) للنجري، وشطراً من (الأحكام) للإمام الهادي عليه السلام، ومن (سبل السلام) ومن (سنن أبي داود) ومن (البخاري) و(مسلم) و(الترمذي) ومن (الترغيب والترهيب) للمنذري ومن (إرشاد العنسي) ومن (التصفية) للإمام يحيى بن حمزة، و(شرح الكافل) لابن لقمان و(زاد العاد).

ومنهم: القاضي العلامة محمد بن يحيى قطران (ت1416هـ).

وأكثر مسموعاته عليه حيث أسمع عليه بهجرة علمان القرآن الكريم بالروايتين ثلاث مرات وشرح مقدمة الجزري، و(شرح الأزهار) مع حواشيه و(الكشاف) قراءة تحقيق وتدقيق و(شرح التلخيص) و(الخبيصي) و(المغني) و(المناهل) و(شرح الفاكهي) على القطر و(شرح ابن عقيل) و(حاشية الخضري) عليه و(جوهرة الفرائض) ثلاث مرات و(شرحي الكافل) لابن لقمان وللطبري، و(شرح الغاية) و(الإيساغوجي) و(الأمهات الست) و(نيل الأوطار) و(سبل السلام) و(العدة على العمدة)، وأجازه إجازة عامة.

ومنهم: القاضي العلامة يحيى بن يحيى الأشول (ت1397هـ).

سمع منه بمدينة شهارة إيثار الحق على الخلق وشطراً من شرح الأزهار ومن الكشاف ومن نيل الأوطار، وأجازه إجازة عامة.

ومنهم: السيد العلامة المحدث أحمد بن علي الطلحي (ت1416هـ).

سمع منه بهجرة معمرة بلغة المقتات، وكنز الثقات، كلاهما في علم الأوقات وشرح الآجرومية وشرح بحرق على الملحة وشرح البرقاني  على موطأ مالك وتوضيح الأفكار شرح تنقيح الأنظار والمنتقى، وأجازه إجازة عامة.

ومنهم: السيد العلامة يحيى بن حسن الغماري (ت 1385هـ).

سمع منه بهحرة معمرة شرح الجوهر المكنون وشرح القطر لابن هشام وشرح قواعد الإعراب للأزهري وشرح الفاكهي على ملحة الإعراب وشرحها لبحرق.

ومنهم: القاضي العلامة لطف بن أحمد بن عبدالله الجنداري (ت1391هـ).

سمع منه بجامع المدان شطراً من جوهرة الفرائض ومن شرح ابن عقيل وحاشية الخضري عليه.

ومنهم: السيد العلامة المفتي العام أحمد بن محمد زبارة (ت 1421هـ).

حضر بعض دروسه بعد العصر بمنزله بحارة الفليحي بصنعاء في الكشاف والبحر الزخار والبخاري، وأجازه إجازة عامة.

ومنهم: شيخنا السيد العلامة المولى حمود بن عباس المؤيد (ت 1439هـ).

سمع منه بعض دروسه بجامع النهرين بصنعاء، وأجازه إجازة عامة.

ومنهم: السيد العلامة محمد بن علوي المالكي المكي (ت 1425هـ).

سمع منه بعض دروسه بمعهده بمكة المكرمة عدة مرات وأجازه إجازة عامة.

فهؤلاء مشايخه الذين قرأ عليهم واستجاز من بعضهم كما ذكرناه.

مشايخه بالإجازة:

وقد أجازه كل من:

شيخنا السيد العلامة المولى محمد بن محمد بن إسماعيل المنصور (ت 1437هـ).
السيد العلامة محمد بن يحيى المطهر (ت 1422هـ) تدبيجاً.
القاضي العلامة أحمد بن عبدالواسع الواسعي (ت 1405هـ).
القاضي العلامة محمد بن إسماعيل العمراني (ت 1442هـ).

أعماله وبعض مواقفه:

في سنة 1378هـ أمر الإمام أحمد حميد الدين رحمه الله بإنشاء مدرسة علمية بهجرة علمان يرأسها العلامة محمد بن يحيى قطران كما أمر الإمام بتعيين شيخنا رحمه الله مديراً عليها ومدرساً بها وقرر للمدرسين وللدارسين بها معاشاً شهرياً وكَيْلاً معلوماً من الطعام واستمرت المدرسة في التعليم حتى انقلاب 26 سبتمبر 1962م الموافق 1382هـ ومما قام به الانقلابيون الضرب بالطائرات على مدينة شهارة وغيرها مما اضطر سكان تلك البلاد إلى النزوح عنها فنزح شيخنا رحمه الله وشيخه قطران وغيرهم إلى قارة بحجور حجة وسكنوا كهوف الجبال وتعطلت مدرسة علمان كغيرها ولكن ذلك لم يمنع شيخنا رحمه الله وغيره من مواصلة الدراسة بتلك الكهوف وبمسجد بيت الغويدي ومسجد قرن الصاية واستمر نزوحهم نحو خمس سنوات وعقيب تلك الفتنة بحوالي ثمان سنوات عادوا للتدريس بهجرة علمان إلى سنة 1402هـ وبعدها عمت المعاهد العلمية قضاء شهارة وعُين شيخنا رحمه الله مديراً عاماً لمعاهد شهارة ومدرساً بمعهد معمرة، وفي سنة 1411هـ انتدب للتدريس بالمعهد العالي للقضاء وفي السنوات الأخيرة من عمره ألم به عارض صحي منعه عن مواصلة التدريس بالمعهد وقد مكث مدرساً بالمعهد حوالي 22 عاماً وتخرج على يديه الكثير من قضاة المحاكم.

ولم يمنعه العارض الصحي من مواصلة التدريس في منزله أو بالجامع القريب منه لكل طالب للعلم في شتى الفنون وممن درس عليه بمنزله كاتب هذه السطور فقد من الله على بالقراءة عليه في كتاب التاج المذهب وفي حاشية السيد على الكافية وفي الخبيصي عليها أيضاً وفي شرح الكافل للطبري وفي الروض النضير وفي تيسير المرام، والشعاع الفائض في الفرائض وكنز الثقات كاملين وأجازني إجازة عامة قبل القراءة عليه وأخرى بعدها وناقشته في عدة مسائل فقهية وتاريخية وأصولية واستفدت منه كثيراً وعرفته عن كثب فأكبرته وعاينت منه الفضل والعلم والتقوى والورع والبشاشة والإجلال والتواضع لاسيما لأهل العلم – والجد والنشاط في مدارسه العلوم وطاعة الحي القيوم والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر المخوف والاهتمام بأمر المسلمين وقضاياهم ومتابعة الأحداث الجارية وكانت له المواقف الدينية المحمودة.

ومن مواقفه على سبيل المثال أنه دُعي لاجتماع علمائي في إحدى الحروب الست الغاشمة على صعدة وكان الغالب على الجمعية علماء السوء ودعاة الفتنة من حزب الإصلاح المحرضين للدولة على الاستمرار في الحرب الظالمة وكان مما قاله شيخنا رحمه الله: إن على العلماء السعي في الصلح وحقن الدماء والعمل بقوله تعالى: ﴿وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللهِ فَإِن فَاءتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِين﴾[الحُجُرات:9] فأجابه كبيرهم الزنداني قائلاً: نطرح هذا للتصويت فغضب شيخنا رحمه الله وقال: هذه آية قرآنية كيف تطرحها للتصويت؟! وخرج من الاجتماع تاركاً من يتعامى عن الحق في عماه ولسان حاله: ﴿وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللهِ﴾ متعجباً من استهانتهم بالنفوس المؤمنة والدماء المصونة.

هذا: وقد أجرت معه هذه المجلة (الاعتصام) في عددها الـ(13) حواراً تضمن سؤالات عما يجري في الساحة وأجاب عليها رحمه الله بإجابات شرعية تنبي عما يحمله بين جوانحه من هم تجاه قضايا أمته وما يحاك لها من فتن، وتعرب عما ينتابه من حرقة، وما ذلك إلا لاستشعاره بالمسؤولية وبالعهد الذي أخذه الله على العلماء وما أوجبه عليهم من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والقول الصادع بالحق في وجه المخالف لأمر الله كائناً من كان.

توسعت دائرة مقروءات شيخنا رحمه الله حتى شملت بعض كتب أهل السنة ومع ذلك فقد ظل متمسكاً بمذهب آبائه الطاهرين لاسيما في الأصول العقدية الذي رواه آباؤه أباً عن أب حتى ينتهي إلى مدينة العلم إلى رسول الله صَلَّى اللَّـهُ عَلَيْهِ وَآلَهُ وَسَلَّمَ.

وكثيراً ما كنا نقرأ عليه فترد خلال الدرس بعض الأقوال المخالفة لمذهب أهل البيت عليهم السلام فنراه يرجح قول المذهب ويحثنا على الاقتصار عليه.

وعند أول لقاءٍ جمعني به طلبت منه القراءة في شرح الأزهار فأجابني بقوله: القراءة في التاج أهم وأحسن؛ لاقتصاره على إيراد كلام المذهب وهو البغية المقصودة..الخ، كلامه.

ومما يؤيد ما ذكرته من اعتزازه بمذهب آبائه ومنافحته عنه.

أنه لما أصدر ابن باز فتواه الأثيمة المتضمنة عدم جواز الصلاة خلف الزيدية اشترك مع شيخه قطران في تأليف الرسالة المسماة (الرد الحسن على فتوى ابن باز ومن يسيء الظن في الزيدية باليمن)، وكذلك رسالته المسماة (النفحات المسكية في براءة الزيدية من بدع الروافض والخوارج) وقد نشرت بصحيفة الأمة في عدة حلقات، وغير ذلك من الرسائل التي لا تزال مخطوطة.

مؤلفاته:

(النفحات المسكية في براءة الزيدية من بدع الروافض والخوارج).
(الرد الحسن على فتوى ابن باز ومن يسيء الظن في الزيدية باليمن)، وقد تقدمت الإشارة إليهما.
و(تحذير المغتر بكتاب "ابن الأمير وعصره وما فيه من المنكر" ).
(النور المتلالي شرح منظومة اللوالي في إسناد العلوم بالطريق العالي) طبع.
(شرح عشرة أحاديث في الفضائل).
(توصية القضاة وتذكرة الولاة بالعهد الذي أخذه الله عليهم جل في علاه). طبع.
(التنبيه المجدي في الرد على الدكتور العودي في تأليفه المردي).
(تحفة الخلان في حقائق النحو والتصريف والمعاني والبيان). قيد الطبع.
(المنهج القويم في إصلاح برامج الأعلام ومناهج التعليم).

قدمه إلى المؤتمر الدولي الإسلامي بجامعة الأزهر في 8/11/1414هـ.

وله غير ذلك من الرسائل والبحوث التي شارك بها في الاجتماعات العلمائية وغيرها ولا تزال متفرقة بمكتبته.

وعلى الجملة فشيخنا رحمه الله هامة من هامات العلم الشامخة في سماء العلم والمعرفة، لذا قصده الكثير من طلبة العلم وأساتذته وحرصوا على الأخذ عنه أو طلب الإجازة على اختلاف مذاهبهم وبلدانهم فمن صنعاء وما جاورها الكثير الكثير ومن عدن وتعز وحضرموت وغيرها من المحافظات اليمنية، والكثير من البلدان العربية والإسلامية كمكة والمدينة وجدة والرياض وبيروت وطرابلس والمغرب ومصر والعراق والكويت وغيرها، ولهذا كان رحيله خسارة عظيمة على الأمتين العربية والإسلامية.

وفاته وبعض وصاياه:

قبل وفاته بنحو اسبوعين تواصلت به تلفونياً وحثني على إرسال التقريض لكتابه (تحفة الخلان) وسألته بعض الأسئلة وكان بكامل قواه العقلية وبعد ثلاثة أيام تقريباً أصيب بغيبوبة نقل إثرها إلى المشفى وبعد أن فاق منها طلب قلماً وورقاً وكتب وصيته بيده، وكان مما أوصى به أحفاده تجويد القرآن وإتقانه، ولم يكتف بذلك بل جُمع له بعض أحفاده بعد إخراج قصبة التنفس من جوفه وأوصاهم مشافهة بإتقان القرآن وقراءة شرح الأزهار على الأقل المجلد الأول.

وبقي بالمشفى نحو ثمانية أيام حتى فاضت روحه الطاهرة إلى رحمة باريها عقيب ظهر يوم الأربعاء الموافق 21 ربيع الأول 1443هـ - 27/10/2021م وشيع جثمانه عقيب صلاة ظهر اليوم التالي إلى مقبرة عشة الرعدي جوار قبر والده رحمهما الله، وشيّعته الجموع الغفيرة من العلماء والأعيان وغيرهم.

وبكته الجموع وذرفت لفراقه الدموع، وكانت الصلاة عليه بمحراب جامع الشوكاني متقدماً صفوف المصلين كما كان يتقدمهم فيه إماماً لصلاة الجمعة لعدة سنوات ويأتم به الجمع الغفير من العلماء الأعلام كسيدي العلامة المولى حمود بن عباس المؤيد وسيدي العلامة المولى محمد بن محمد المنصور وغيرهما من الشخصيات العلمائية والقضائية البارزة، بتلاوته الخاشعة التي يخشع لها الفؤاد وترق لها الصم الصلاد.

فسلام عليه يوم ولد ويوم مات ويوم يبعث حياً، وعصم الله قلوب أهله ومحبيه بالصبر والسلوان إنا لله وإنا إليه راجعون  وصلى الله على محمد وآله الطاهرين.

تلميذ الفقيد

أحمد بن محمد الآنسي