الحرب الناعمة (الأخطار وطرق الوقاية منها)

نشر بتاريخ: أربعاء, 03/03/2021 - 9:41ص

 

تعتبر الحرب الناعمة من أهم ما يعتمد عليه أعداؤنا أهل الكتاب في صراعهم معنا، وهم يعولون عليها أكثر من الحرب الخشنة؛ لأنها لا تكلفهم إلا القليل، أضف إلى ذلك أنها الوسيلة الأنجع لتحقيق أجنداتهم فينا، ومخططاتهم الاستعمارية اليوم قائمة عليها.

والحرب الناعمة هي التي تستهدفنا في قيمنا وأخلاقنا وروحيتنا الإيمانية، ولها وسائل متعددة يتحكم فيها أهل الكتاب يهود ونصارى اليوم "أمريكا وإسرائيل"، ومن أهم هذه الوسائل:

مراكز التواصل الاجتماعي على الشبكة العنكبوتية
القنوات الفضائية
بعض المعاهد الأجنبية
المنظمات الدولية

و"الحرب الناعمة" تشترك مع "العولمة" في بعض هذه الوسائل، وما يهمّ في هذا العرض الموضوعي أن نطرح للقارئ طرق الوقاية من أخطار هذه الحرب، والتي بها نحصن أنفسنا وأسرنا ومجتمعاتنا وأمتنا منها، وذلك حسب الآتي:

أولاً- مقاطعة وسائلها التي تقدم ذكرها إجمالاً:

 فعلى المسلم الملتزم بأحكام دينه ألا يدخل في فضاء النت المفتوح دون أن تكون له غاية مشروعة ودون أن تكون له خطة مزمنة، ولا يجعل الإنسان المسلم من نفسه سماعاً لكل القنوات التضليلية والإغوائية وهو بعيد عن هدى الله بما يكفل تأثره بهذه القنوات ولو تدريجياً قال تعالى: (وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا)، والمدقق فيما ترمي إليه هذه الآية يخلص إلى استنتاج مفاده: أنه لا يشترط لمقاطعة هذه القنوات أن تبث كل ما فيه استهزاء صريح بآيات الله وكفر واضح بها بل يكفي لمقاطعتها أن تبث كل ما فيه صدٌّ عن سبيل الله ومساندة لأهل الباطل.

 

ثانياً- التحلي بالعفة والطهارة:

والعفة والطهارة من صفات المؤمنين، وقد ذكر القرآن المجيد ما يدل على ذلك عند عرضه لصفات المؤمنين فقال تعالى: (وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ* إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ* فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ)، واليوم على المسلم الوعي بأن هناك وسائل إفساد تمس بعفته وتؤثر على طهارته ومنها:

سهولة التواصل بين الناس، فالرجل من مكانه الذي يقعد فيه يستطيع اليوم أن يتواصل مع أية امرأة في العالم والعكس كذلك دون أن يكون لهذا التواصل أي هدف سوى التفريغ العاطفي
انتشار ثقافة التبرج بين المسلمين سواءً عن طريق العري أو الملابس الفاتنة، أو وصول هذه الثقافة إلى المجتمعات المحافظة عن طريق القنوات الفضائية
انتشار حالات الاختلاط المنفلت بين الرجال والنساء سواءً في المؤسسات التعليمية أو مراكز العمل.

 وليس هناك من طريق للتحصن من هذه الوسائل الماحقة للأخلاق سوى الانضباط بضوابط القرآن والتي منها:

غض البصر والتزام المرأة بالحجاب غير الفاتن، والله تعالى قد قال مؤكداً على هذا الأدب العظيم: (قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ* وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ... إلى آخر الآية).
الانضباط في التراسل مع الآخرين، فلا حاجة لأن يتراسل المسلم مع آخرين لا تجمعه بهم قواسم من المصالح المشروعة، وأقل ضرر لهذا التراسل غير المنضبط ضياع الوقت في الدردشات غير الهادفة، قال تعالى: (لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ).

ثالثاً- الإيمان بالله واليوم الآخر:

ويقصد بهذا الإيمان غير المقصور على مجرد الإيمان القولي إنما الإيمان الذي ينتج الشعور بعظمة الله المؤدي إلى الخوف منه، قال تعالى: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ)، فالإيمان باليوم الآخر مسالة غاية في الأهمية وتأتي هذه الأهمية على الإيمان بتفاصيله المندرجة فيه كالإيمان بالجنة والنار والجزاء والحساب، وأن أية معصية يرتكبها الأنسان سيدفع ثمنها في الدنيا قبل الآخرة، والإيمان باليوم الآخر يترسخ في فؤاد المؤمن بقدر ترسخ إيمانه بالله، فمن يؤمن بالله حق الإيمان سيؤمن بوعده ووعيده وجنته وناره، وهذا يجعل المسلم يتحاشى كل وسائل الحرب الناعمة التي هي بحد ذاتها معاصي أو هي تؤدي إلى معاصي يعلم المسلم في قرارة نفسه أنه سيحاسب عليها.

رابعاً- الاستعاذة بالله من وساوس شياطين الإنس والجن:

وهذا توجيه قرآني علمنا الله إياه فقال مخاطباً رسوله الكريم: (قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ* مَلِكِ النَّاسِ* إِلَهِ النَّاسِ* مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ* الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ* مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ)، والاستعاذة معناها طلبُ اللهِ العوذَ من وساوس شياطين الإنس والجن فهي صورة من صورة الالتجاء إلى الله بغية الحصول على حمايته من وساوس شياطين الإنس والجن، والوسوسة تسير أذهانُ كثير من الناس بها إلى الجن دون الإنس مع أن الآية صريحة في الاستعاذة منهما معاً، وقد تكون وساوس الإنس أشد تأثيراً من وساوس الجن لإمكانياتهم الفائقة على إمكانيات الجن، فشياطين الإنس يمتلكون اليوم قنوات إعلامية سواءً منها ما هو مخصص للتضليل الإعلامي والثقافي والفكري والسياسي أو ما هو مخصص لإفساد الأخلاق ونشر الرذيلة، مهمة جميعها تزيين الباطل للناس ولبسه بالحق وجعل هذا الباطل مقبولاً لديهم، وهذا بحد ذاته "وسوسة" كوسوسة الجن التي تزين الباطل وتجعل الحرام مرغوباً، أضف إلى ذلك أن إبليس الرجيم ليس لديه من إمكانيات سوى ما في الإنسان من رغبات وميول وغرائز ينفذ إليه منها، فإذا ارتفع الغضب لديه لسبب من الأسباب عمل إبليس على رفع وتيرة هذا الغضب أكثر حتى لا يستطيع صاحبه أن يتحكم فيه فيجره إلى مخالفة توجيهات الله، وإذا رأى الإنسان- عرضاً بدون قصد- مشهداً يثير غريزته الجنسية سعى إبليس إلى تذكيره بهذا المشهد كلما تناساه، فيذكره به حتى وهو في الصلاة وبما يكون سبباً لإثارة غريزته حتى يصبح عاجزاً عن كبحها وبما يجره إلى مخالفة توجيهات الله، وقس على ذلك بقية الرغبات والميول، وسعيُ إبليس لتأجيج هذه الرغبات والميول لدى الإنسان هو "النزغ" الذي أُمرنا في القرآن عند الشعور به أن نستعيذ بالله من الشيطان الرجيم، قال تعالى: (وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ).

خامساً- الأخذ بأسباب الرعاية والتوفيق الإلهي وعوامل الصلاح والزكاء:

فالإنسان لا يحصل على رعاية الله وتوفيقه دون أن يسلك أسبابهما ولا يكون صالحاً في نفسه ومصلحاً لغيره دون الأخذ بأسباب ذلك، ومن أسباب الرعاية والتوفيق الإلهي والصلاح والزكاء ما يلي:

الصلاة القيمة التي تثمر في واقع المصلي وتقوّم سلوكه وتصلح نفسه، قال تعالى: (وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ).
الإكثار من ذكر الله فإنه يصلح النفس ويزكيها، وصلاح النفس وزكاؤها يقضي على اضطرابها ويوزعها الاطمئنان كما قال تعالى: (الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ)، وهذا يساعد على الثبات أمام المتغيرات والأحداث وعظائم المستجدات والتي تتطلب من الإنسان أن يكون ثابتاً على دينه.
الإحسان والذي يعني- أول ما يعني- الاهتمام بأمر الآخرين وتقديم الخدمة لهم ونفعهم، وأعظم خدمة يحوز عليها المسلم من أخيه المسلم ما يحصل عليه من عرق المجاهدين الذين بهم ومن خلالهم تُحقن الدماء وتصان الأعراض وتحفظ الأوطان والديار؛ ولذا كان الجهاد من أعظم صور الإحسان إلى الآخرين، قال تعالى: (وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ).
الاهتمام بتدبر القرآن عند قراءته والاستزادة من تفهمه فذلك الغاية من إنزاله قال تعالى: (كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ)
ارتياد مجالس الذكر والصلاح والابتعاد عن مجالس الغفلة والإغواء

توصيات ختامية

ختاماً: لا بد أن يكون لنا نحن المسلمين ثورة توعوية بطرق الوقاية من الحرب الناعمة التي تقدّم الحديث عنها وذلك لمواجهة هذه الحرب بكفاءة واقتدار، ولا بد أيضاً أن يكون هناك تحرك جمعي لإشعال فتيل هذه الثورة التوعوية عبر البرامج التلفزيونية ووسائل الإعلام بشكل عام بل وعبر وسائل الحرب الناعمة نفسها لنكافحها من ذات السبل التي تأتينا منها، وينبغي أن يكون هناك خطاب ديني متنور لمواجهة هذه الحرب من المنابر إلى الصروح التربوية والمؤسسات التعليمية، والتي- للأسف الشديد- وجدناها وسائل للحرب الناعمة بدلاً من أن تكون مصدراً لمكافحتها، ولا بد أن نعزز في نفوسنا عظمة الله العلي القدير.. وبالله الهداية والتوفيق

الدلالات: