للقائمين على وزارة الأوقاف.. اتقوا الله

نشر بتاريخ: ثلاثاء, 24/10/2017 - 6:57م

كثيراً ما نرى لافتات داخل المساجد صادرة عن وزارة الأوقاف مكتوب فيها (من وصايا الواقفين) حيث اختارت وطبعت ونشرت من تلك الوصايا هذه الوصية والتي نصها: »يا جبار السموات والأرض يا خالق نفوسنا ومحييها ومميتها ومحاسبها على كل أمر .. أسالك بأسمائك الحسنى وبعظيم جلالك وقدرتك وقد استودعتك مالي الذي أوقفت، حرمت منه نفسي وذريتي وجعلته وقفاً لبيتك الذي نسجد فيه ونعبد، أسالك أن من أخذها بغير حق وأخذ منه ظلماً وعدواناً وعبثاً وإهمالاً .. أسالك أن تجعل له العقوبة في العاجلة قبل الآجلة في الدنيا قبل الآخرة، وأن تنزع منه أهله وذريته النعمة والبركة، وأن تكتب له الفقر وذريته إلى يوم القيامة، اللهم اجعلني له خصيماً بين يديك وانتصف لي منه أمام الأشهاد يوم لا ينفع مال ولا بنون .. يا حي يا قيوم أسألك أن تعاقب من فرّط وأهمل وعبث بما أوقفت وتحشره في جهنم مع الظالمين (آمين). اللهم انزع البركة والنعمة عن كل من فرّط أو نهب مالي الذي أوقفته واجعل عقوبتك دائمة في ذريته (آمين)  «. انتهى

هذه أحدى وصايا الواقفين المعلقة داخل الجامع الكبير المقدس بصنعاء طبعتها وزارة الأوقاف في لافتات وعلقتها داخل المساجد أملاً منها أن يتقي المواطنون الله في مال الوقف وأن يبرئوا ذمتهم بتسليم مال الأوقاف إليها لتصرف فيما أُوقفت له وحتى لا تصيبهم دعوة الواقفين، وهذا أمر حسن ومن صميم واجبات وزارة الأوقاف التي أُنشئت من أجل تنفيذها حفاظاً على الأوقاف والترب والوصايا وسعياً لتحصيلها وصرفها لما أوقفت له.

لكن السؤال الذي يطرح نفسه: هل نفذ القائمون على وزارة الأوقاف والمسؤولون فيها وصايا الواقفين؟ وهل ذهبت أموال الواقفين وكذلك أموال الترب والوصايا وغيرها من سائر أنواع الوقف في محلها المخصوص والمنصوص عليه في وصايا الواقفين؟ وهل اتقى الله المسؤولون والقائمون وعمّال الأوقاف والمحصلون في هذه الأموال؟ وهل حافظوا عليها وصرفوها بحسب وصايا الواقفين حتى لا تصيبهم مثل هذه الدعوات التي خطها الواقفون في وصاياهم والتي طلبوا من الله تعالى فيها التعجيل بالعقوبة على: 

  1. مَنْ أخذ مال الوقف بغير حق.
  2.  مَنْ أخذه ظلماً وعدواناً وعبثاً وإهمالاً.
  3.  مَنْ فرّط أو ضيَّع أو نهب مال الوقف.

السؤال الأهم الذي نريد من القائمين على الأوقاف ومن كل مسؤولي الوزارة الإجابة عليه هو: هل على الناس فقط أن يتقوا الله بإخراج مال الوقف إليكم، أما أنتم فلستم مسؤولين ولستم في وارد وضمن الدعوات التي ضمَّنها الواقفون وصاياهم؟ ألستم الأولى والأحق بتقوى الله سبحانه وتعالى والخوف من عقابه إن فرطتم بصرف هذه الأموال في غير مصارفها التي خصصها الواقفون! فما بالكم بمسؤوليتكم الكبرى والعظمى عن التسيب والنهب والإهمال وتضييع أموال الأوقاف والتفريط فيها، وتركها عرضة للنهب والضياع؟

من المعلوم أن الوزارة تتحصل شهرياً عشرات الملايين من أموال الأوقاف  وهي لا تمثل إلا الجزء اليسير جداً من أموال الأوقاف بعد نهب ما نُهب منها وضياع ما ضاع، وهذا الجزء اليسير للأسف الشديد يأتي عليه الكادر الضخم المتراكم في وزارة الأوقاف وفروعها فلا يبقى ولا يذر في عمليات فساد وصرفيات واعتمادات وحوالات لا أول لها ولا آخر بحسب مزاج المتولين على الوزارة في مخالفة واضحة وصريحة لوصايا الواقفين وقانون الأوقاف وفي حرف وانحراف كبير وخطير عن مسؤولية إيصال هذه الأموال إلى المصالح والمبرات التي أُوقفت من أجلها.

ولذا نقول للقائمين على وزارة الأوقاف: اتقوا الله في أموال الأوقاف فهي »الخصم الصامت« كما تقولون أنتم للناس وتنسون أنفسكم التي تعرّضونها لعقوبة الله تعالى العاجلة  والآجلة ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلاَ تَعْقِلُون﴾  يا هؤلاء  ألستم الأولى بالنصح؟ فاحذروا أن تصيبكم أنتم قبل كل أحد دعوة الواقفين وتداركوا أنفسكم أن تشملكم من حيث لا تشعرون وسارعوا بالرجوع الله سبحانه وتعالى والخوف منه وإبراء الذمة من هذه الأموال التي قد تعجل بالعقوبة في الدنيا وهلاك الذرية وخراب العمران إن لم يكن اليوم فغداً القريب ناهيكم عن عذاب الآخرة.

فالمساجد تصرخ في وجوهكم وتطالبكم بأموالها المنهوبة لدى المغتصبين وإيراداتها المكنوزة لديكم والتي تصرفونها في غيرها ظلماً وعدواناً.

والتُرَب والوصايا وأوقاف العلماء والمتعلمين وسائر أنواع الأوقاف تشكوا إلى الله ظلمكم وإهمالكم وتضييعكم ونهبكم وفسادكم، والله سبحانه وتعالى عالم السر والنجوى لا تخفى عليه صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها.

أين تذهب أموال الأوقاف الهائلة؟ ما مصير أراضي الأوقاف ومبانيها وعقاراتها؟ أين استثمارات الأوقاف الكبيرة وعائداتها؟

ألا تقرأون وصايا الواقفين التي تطبعونها أنتم وتوزعونها على الناس وتعلقونها في المساجد؟ أم أن نصوصها لا تشملكم؟

لماذا تخضع صرفية أموال الأوقاف لمزاج البعض من مسؤولي وزارة الأوقاف ممن ينتمون لهذا الحزب أو ذاك؟ فيتصرف فيها تصرفاً مطلقاً خلاف مراد واقفها، وينفقها ويبددها شرقاً وغرباً، ويدعم من خلالها   فئته وحزبه وجماعته وشلته.

وهل عقارات وأراضي الأوقاف وأملاكها أقل حرمة من غيرها حتى تبقى مستباحة ومنهوبة؟ وحتى متى تبقى هذه الأراضي والأملاك في أيديكم وأيدي الغاصبين تؤجرنها بثمن بخس زهيد في الظاهر لتأكلوها وتنهبوها أنتم ومستأجروها بأغلى الأثمان في الباطن؟ فنجد على سبيل المثال: إيجار دكان أو عقار تابع للوقف لا يساوي عُشْرأو نصف عشر أو ربع عشر مثيله من الأراضي والعقارات الحرة والأملاك الخاصة مع كونها في منطقة واحدة وزمن واحد؟

لماذا تقومون بتحرير أراضي الوقف وبيعها أو تأجيرها بثمن بخس أيضاً؟ ومتى تحاسبون أنفسكم قبل أن تحاسبوا من قبل الشعب المظلوم ومن الله العزيز الجبار أولاً وأخيراً؟

ألا تخشون أن تصيبكم دعوات الواقفين في شأن من فرّط وعبث وأهمل مال الوقف وأنتم كما تعلمون ويعلم الناس من المفرطين والمهملين والعابثين؟

لن نتعرض لما جرى ويجري من نهب وسلب وفساد واغتصاب لأموال الأوقاف في سائر أنحاء اليمن، فهذا الأمر يحتاج إلى مجلدات وليس إلى مقالة عابرة، يكفينا هنا فقط أن نضرب مثلاً واحداً هو الجامع الكبير بصنعاء  كنموذج لما يجري وكمثل على ما يدور.

الجامع الكبير بصنعاء له من الأوقاف ما يكفي لإنشاء جامعات ومدن سكنية وعشرات المشاريع الاستثمارية فأغلب أراضي صنعاء القديمة ومحيطها إلى الجبال هي من أملاكه، وأغلب الأوقاف في أمانة العاصمة ومحافظة صنعاء وفي كثير من المحافظات هي من أوقاف هذا الجامع، ومع ذلك نجده فقيراً صوتياته قديمة ورديئة والخدمات فيه ضئيلة، أوقاف العلماء والمتعلمين فيه لا تُنفق عليهم وفي معظمها صُودرت وأُخذت ونُهبت تحت حجج وذرائع شتى كالمدرسة العلمية الواقعة في ميدان التحرير وسائر أملاكها الموقوفة عليها، وكدار العلوم في جولة مأرب بالأمانة التي صُودرت ونُهبت مكتبتها وحُولت إلى مدرسة حكومية، وعشرات المباني في صنعاء القديمة حتى المحيطة والملاصقة للجامع ليست في خدمته.

وكذلك الوصايا والترب وسائر أوقاف العلماء والمتعلمين لا تصرف عليهم ولا تنفق على إحياء وإنعاش حلقات ومدارس وهجر العلم وتوفير متطلباتها، والموضوع ذو شجون، فهل من صحوة ضمير؟ وهل من محاسبة ومراقبة وتقييم؟ وهل سنرى يوماً من يسعى إلى استعادة أموال هذا الجامع على سبيل المثال لا الحصر، ومحاكمة المتسببين في نهبها سواء من المتنفذين والفاسدين من عامة الناس أو من المسؤولين في الدولة وعلى رأسهم الفاسدون من مسؤولي وزارة الأوقاف.

موضوع الأوقاف بحاجة إلى دراسة وبحث وإعادة نظر في كادر الوزارة وفي قوانينها وفي الرقابة عليها وهو ما نطالب به ونسعى إليه كأحد أهم متطلبات وركائز البناء والتنمية وتصحيح الخلل ومكافحة الفساد والمفسدين.

فإيرادات الأوقاف لو سلمت من النهب والضياع لكانت رافداً من روافد الاقتصاد الوطني وعاملاً من عوامل الاكتفاء الذاتي ومورداً هاماً للاستثمارات التي تخدم المجتمع وترفع مستوى الدخل القومي، وبإمكانها أن تكون كذلك إذا وُجدت الإرادة وتوفر العزم والإخلاص وحوسبت وحوكمت وأقصيت شلل الفساد ومافيا النهب واستردت حقوق الأوقاف من مغتصبيها وناهبيها والمستغلين لها.

لنا عودة للتطرق لهذا الموضوع الهام وندعو كل من يهمه الأمر للمساهمة في الكتابة حوله في الأعداد القادمة.