الإمام زيد والزيدية: بين الهوية الأصيلة والأهواء الوافدة

نشر بتاريخ: أحد, 15/10/2017 - 5:10م
الكاتب: 

تأتي ذكرى ثورة الإمام زيد عليه السلام كل عام واليمن بل والأمة الإسلامية كلها في أمس الحاجة للوقوف مع هذ الشخصية الإسلامية الاستثنائية والمتميزة هذا الإمام الذي شهد بإمامته أكابر العلماء والتابعون وأعلام أهل البيت الذين وصفوه بأوصاف ذات دلالات ومعاني كبيرة منها أنه( أوتي علما لدنيا) وأنه يعلم المعارف والمعاني الدينية التي لا يعلمها غيره كما شهد بذلك الباقر عليه السلام وأن لم يـُـر في زمانه (أفقه منه ولا أعلم ولا أسرع جواباً ولا أبين قولا، لقد كان منقطع النظير) كما شهد بذلك وأقر أبو حنيفة رحمه الله حتى شهد لمقامه خصمه اللدود وحاكم عصره الغشوم الذي ثار في وجهه هشامُ بن عبد الملك الذي أصدر مرسوما ملكيا لوالي العراق بأن يمنع الناس في العراق من الجلوس مع الإمام زيد بن والاستماع إليه خوفا من علمه وفكره ولغة خطابه وبيانه القرآني وقدرته البلاغية وفصاحته الآسرة والجذابة فقال في مقام الإمام قولا يبرز مقامه القيادي : امنع أهل الكوفة من حضور زيد بن علي، فإن له لساناً أقطع من ظبة السيف، وأحصد من شبا الأسنة، وأبلغ من السحر والكهانة، وكل نفث في عقدة. 
 إن إحياء ذكرى ثورة واستشهاد الإمام زيد فرصة حقيقية للاستفادة من أخلاقه وسيرته ومواقفه كإمام يقتدى به وعلَمٍ فارقٍ بين منهجه الفكري و نهجه الثوري وبين الناس قاطبة وعلَمٍ فارق كذلك بين أتباعه الحاملين فكره وهويته وأصوله ومشروعه التنويري وبين غلاة الشيعة الذين خذلوه وتنكروا لثورته وجادلوا أو شككوا فيها وفي إمامته وقالوا لست الإمام كل هذا الزعم والجدال ليتهرَّبوا من تحمُّل مسؤولية الإصلاح والجهاد الذي فتح بابه الإمام الحسين ثم أُغلِقَ بعد استشهاده لعشرات السنوات فأتى الإمام زيد وكسر حالة الصنمية والجمود وتجاوز الخطوط الحمراء المصطنعة التي روج لها علماء السوء كتقديس الوالي الظالم وحرمة الخروج عليه بل واعتبار الخروج عليه خروج ومخالفة للإرادة الإلهية وفتح باب فتنة بناء على عقيدة الجبر والقدر التي روجت لها السلطة الأموية ووضعت من يخالفها في قفص الاتهام والتمرد على الله وشرعه لكن الإمام زيدا فتح باب الجهاد والاجتهاد وأحيى فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر و حمَّل الإمة الإسلامية الحجة والمسؤولية لتكون كما أراد الله( خير أمة أخرجت للناس) تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر  وتقاوم سياسة الظلم والفساد والقهر والرضا بتغلب الحكام الفاسدين والفاسقين واعتبر أن الفتنة الحقيقية والكبرى هي أن يبقى أمثال هشام حاكمين للامة ومتغلبين عليها ومستأثرين بثرواتها ومعطلين لأحكام الدين ومضيعين لفرائضه. 
 لا زال الإمام زيد إلى يومنا هذا يخذل ويجادل في ثورته وينظر إلى خروجه بعين الارتياب والتشكيك عند أناس وأناس أخرون لا يعترفون بإمامته وكأن إمامة الإمام زيد لن تصح ويعترف بها إلا بشهادتهم وتزكيتهم ونجد هؤلاء يكتفون على استحياء بإطلاق زيد الشهيد أو زيد الثائر على هذا الإمام العظيم والمجدد للنهج الحسيني الكربلائي. 
ولا يزال هذا الإمام يخذل ويساء تمثيله من بعض الأتباع والمنتمين لفكره وأصوله من خلال قعودهم وانزواءهم واعتزالهم عن واقع الأمة والحياة وعدم اهتمامهم الاهتمام العملي لما يقع على هذه الأمة من ظلم وقهر ومآس بسبب سياسة الحكام الجائرين الذين ينهبون الثروات ويجوعون الشعوب ويشردونها ويسومونها سوء العذاب بل ويمارسون بحقها أفضع وأخطر مما مارسه حكام بني أمية هؤلاء مع الأسف يريدون أن يكونوا زيدية كما يريدون هم وبما يتوافق مع أمزجتهم ومصالحهم لا كما يريد الإمام زيد عليه السلام الذي رسم مسار الهوية الزيدية فكرا وثورةً نظريةً وتطبيقا المسار الذي يجب أن يسير عليه كل من ينتمي أو ينتسب إليه ويحمل هويته وهمته العالية التي لا تهادن المنكر ولا تجامل الباطل ولا تسكت عن الظلم أو الطغيان بل تتطلع إلى ما تطلع إليه الإمام الذي قال : الحمدلله الذي أكمل لي ديني، واللّه ما يسرني أن لقيت محمداً صلى اللّه عليه وآله وسلم، ولم آمر في أمته بالمعروف ولم أنههم عن المنكر، والله ما أبالي إذا أقمت كتاب اللّه عز وجل وسنة رسوله صلى اللّه عليه وآله وسلم؛ أن أجِّجَت لي نارٌ ثم قُذِفْتُ فيها، ثم صرت بعد ذلك إلى رحمة اللّه تعالى، والله لا ينصرني أحد إلا كان في الرفيق الأعلى، مع محمد صلى اللّه عليه وآله وسلم، وعلي، وفاطمة، والحسن، والحسين صلوات اللّه وسلامه عليهم. فمن يريد أن يكون مع أهل الكساء لا بد أن يكتسي بهوية هذا الإمام في نهجه العملي ويترجم أدبياته وشعاراته وفكره إلى ثورة ضد كل فاسد وظالم ويصدع بكلمة الحق أمام طغاة هذا العصر لا سيما طغاة النظام السعودي والإماراتي الذين صاروا أدروات منفذة لمشروع الاستكبار والهيمنة في الوطن العربي. 
إن إحياء فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ومقارعة الجائرين ومواجهة الطغاة الفاسدين والوقوف في وجه غزاة اليوم المحتلين أولياء اليهود والنصارى هو عين الهوية الزيدية والترجمان العملي لحقيقة الانتماء لمن ينتسب إلى هذا الإمام و يرى رؤيته ويسير بسيرته العلمية والجهادية هذا التميز في الولاء هو ما أشار إليه الإمام محمد بن عبدالله النفس الزكية بقوله ((أما والله لقد أحيا زيد بن علي ما دثر من سنن المرسلين، وأقام عمود الدين إذ اعوجّ، ولن نقتبس إلا من نوره، وزيد إمام الأئمة) فمن لا يتحرك لإحياء ما اندثر من سنن المرسلين ولا يسعى لإقامة عمود الدين ولا يصدع بكلمة الحق أمام الظلمة والمبطلين فلا يملك من الزيدية إلا الاسم أو الشكل أو الجغرافيا. 
إن الإمام زيدا عليه السلام هو الهوية الإسلامية الأصيلة والجامعة والفارقة في نفس الوقت به يعرف الثوار الأحرار ومن خلاله تتمايز الصفوف التواقة للحرية المتطلعة للتغيير الباحثة عن الخلاص لهذه الأمة ومن يحاول او يسعى للنيل من هذا الإمام ومن هويته فإنه يبرهن على جهله ونقصه وإساءته للإسلام نفسه كونه علما مجدا من أعلامه وعلما من أعلام أهل البيت عليهم السلام 
إن هذا الإمام ما صار إماما إلا لأنه حمل هم الإسلام ودعا الناس لإحياءه بعد أن حولته الأسرة الأموية إلى قشور ومظاهر وجمدت أسسه وقتلت حيويته وهجرت معالمه كما هو الحال والواقع اليوم مع الأسرة السعودية الحاكمة التي تقوم بهدم أسس الدين وتمارس اكبر وأخطر عملية تزوير للإسلام من خلال إبراز الوهابية الحنبلية والترويج لها في العالم الإسلامي وإقناع الناس بأن الوهابية السلفية هي مفتاح فهم الإسلام الصحيح وتريد أن تلبس الوهابية لباس الإسلام الأصيل وهذا ما يضاعف المسؤولية على علماء الأمة قاطبة وعلماء أهل البيت خصوصا بأن لا يتركوا الساحة فارغة على مستوى الساحة اليمنية على وجه الخصوص إلا يتركوا الأفكار الوافدة والدخيلة تنتشر وتتوسع . 
إن استهداف الزيدية المباشر وغير المباشر ومحاولة تغييبها او تشويهها هو استهداف وتشويه للإمام زيد ولكل أئمة الزيدية والاستهداف اليوم تتزعمه دول وتيارات متنوعة وهناك سياسة تزحف ببطء لاحتواء الهوية الزيدية كما هو قائم ومشاهد ومعلوم فالوهابية سعت ولا زالت تسعى لظهور بمظهر الحب والولاء للزيدية بل نرى ونسمع كثيرا من الوهابيين يرفعون دعوى بأنهم زيدية وأنهم على خطى الإمام زيد وأننا نحن الزيدية لا نفقه الزيدية ولا نعبر عن أصالتها وهويتها وقد سخرت الدولة السعودية الأموال الطائلة وبنت المشاريع العملاقة والمعاهد في قلب المحافظات الزيدية بل وصلت إلى كرسي الزيدية وتربعت عليه وفعلت فعلها طيلة سنوات وسنوات ومكرت مكرها فغررت ودجنت وحاربت الهوية الزيدية وكادت أن تقضي عليها لولا عناية الله ولطفه ولولا وجود بقية باقية من العلماء العاملين الذين وقفوا للغزو الوهابي الوافد والدخيل بكل قوة وعي فأسقطوا دعوى الأدعياء  وبددوا شبههم وكشفوا حقيقتهم وبينوا مدى خطرهم على الإسلام والمسلمين. 
ومع الأطماع والأهواء الوهابية نرى ثمة أهواء أخرى من قبل بعض المذاهب الشيعية التي يسعى بعض مأزوميها و جهلتها ومتعصبيها للمساس بهوية وأصالة أهل اليمن والنيل أو التشكيك في هويتهم الزيدية والنظرة إلى إمام الزيدية نظرة قاصرة وجائرة تحت عناوين جذابة وشعارات براقة استجابة منهم لمرويات جعلوها مقدسة وتماشيا مع موروث هم مطالبون بتصحيحه ومراجعته إن أرادوا أن نثق بهم ونطمئن إليهم ونحسن الظن بهم لأن هوية الزيدية تتمثل في إمامها الأول التي تنتسب إليه الزيدية فمن يتعامل بصدق وموضوعية وواقعية مع هذه الهوية وإمامها فإنه صادق في احترامه وتعايشه مع أتباع هذا الإمام العظيم والمجدد إلا أن بعض المحسوبين على الشيعة والتشيع قد تطبع و تربى على فلسفات تغر الناظرين وتدغدغ عواطف الموالين لأهل البيت جاهلين أصحاب هذا التيار أو متجاهلين بل ومتنكرين للدور والتحرك التاريخي والكبير الذي قام به أئمة الزيدية في تلك الدولة التي لا زالت آثارهم ومؤلفاتهم ومخطوطاتهم و أضرحتهم ومقاماتهم تشهد بإسهامهم التنويري ودورهم الفكري العظيم والمشرف وتبرهن على أصالتهم وهويتهم التي كان لها بالغ الأثر والدور في انتشال تلك البلاد  من ضلال الكفر ومتاهات الأفكار الجامدة والخرافية التي أورثتهم الذل والقهر سنوات وسنوات حتى عادوا إلى ذات المسار الذي أحياه الإمام زيد والأشد ألما وريبة أن يتأثر البعض بأفكار وافدة ويتنكرون لأصولهم الأصيلة ونهجهم الوضاء وأئمتهم العظماء الذين دوخوا الدول وهزوا عروش المستكبرين قبل غيرهم فكان لهم السبق هؤلاء الذين أصبحوا أشد غلوا وأكثر تطرفا واعظم خطرا على الهوية وهذا ما يستوجب من حماة وحملة الهوية الزيدية الدراسة لهذه الظاهرة وهؤلاء الشواذ الذين يهددون هويتنا ويستهدفون أصالتنا ويغررون على شبابنا ويستغلون ظروف العدوان والحرب علينا ويتسللون لواذا تحت عناوين إنسانية وعاطفية. 
 هذا كله يستوجب وضع المعالجات الفكرية واتخاذ الخطوات التي تحصن مجتمعنا وتنمي في شبابه حالة الوعي والمعرفة وتجعل منه مجتمعا مؤثرا بهويته معتزا بأصوله وأصالته لا متأثرا ومن أحب التقارب والتعايش مع أصحاب هذه الهوية الأصيلة والمستقلة فلا مانع شريطة أن يعطي أئمتها وفكرها حقه من الاحترام وألا يجعل من التقارب والتسامح والتعايش مظلة أو شمعة للوصول إلى ما يريد من تذويب وتغييب أئمة هذه الهوية وأئمتها العظماء.