الإمام زيد (ع) قدوة المستبصرين و إمام الثائرين

نشر بتاريخ: جمعة, 13/10/2017 - 9:30ص

عاش الإمام زين العابدين علي بن الحسين بعد فاجعة كربلاء مرحلة قاسية عليه وعلى سائر آل البيت بل وشيعتهم، ربما هي أسوء المراحل التي عاشها آل محمد، مرحلة مليئة بالمرارة واليأس والألم؛ لما وصل إليه واقع الأمة من ابتعادها عن منهج الإسلام الصحيح، وجفوتها لآل محمد هداة الأمة ومصابيح الظلمة، لم يكن لدى الإمام زين العابدين عليه السلام إلا أن يقوم بإعادة بناء ثقافة الإسلام الصحيحة في قلوب الناس، سواء عبر التعليم لمعالم الدين أو عبر تزكية النفوس بثقافة الارتباط بالخالق جل شأنه من خلال إنشائه المدرسة الروحية المتمثلة في الصحيفة السجادية،هذه الحالة انعكست بشكل أولي على الإمام الأعظم زيد بن علي عليه السلام، ففي هذه الأسرة النبوية كانت نشأته، وفي هذه الظروف العصيبة والاستثنائية كان نموه وترعرعه، فنهل من علم والده الذي ألجاته ظروف المرحلة وحكمةُ الله لأن يتفرغ لتربية الأمة تربية إيمانية، وفي مقدمتها أبناؤه الأكرمون، تعلم الإمام زيد بن علي عليه السلام العلم حتى برز وفاق على جميع أقرانه، وصار فقيه آل محمد ومرجعهم، كما يخبر عنه الإمام جعفر الصادق عليه السلام: (كان والله أقرأنا لكتاب الله وأفقهنا في دين الله، وأوصلنا للرحم ما تركنا وفينا مثله).

جاء يوما إلى أخيه الإمام الباقر يسأله أن يعطيه كتاباً لوالده ليستفيد منه، فتأخر الباقر في إعطائه الكتاب، ثم ذكر بعد فترة، فتأسف وأخرج له كتاب والده، فقال الإمام زيد قد استغنيت عنه، فقال الإمام الباقر تستغني عن كتاب والدك؟ قال الإمام زيد: قد استخرجته من كتاب الله، فاخرج الإمام زيد ما كتبه و قابله مع كتاب زين العابدين فلم يخرم منه حرفاً، وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على جودة الفهم وحسن الاستنباط والاستخراج من كتاب الله الذي تربط الإمامَ زيداً عليه السلام به علاقة وثيقة وروابط وشيجة، جعلته يعكف على تأمله اثنتي عشرة سنة، حتى سمِّي (حليف القران).

 هذه العلاقة التي جعلت الإمام زيداً يرى من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والجهاد ضد الظالمين ضرورة حتمية، يجعلها ديننا الإسلامي ذروة سنام الإسلام، ولأن الإمام زيداً هو ذلك الثائر العالم الرباني،  ولمعرفته بأهمية دور العلماء في إصلاح الأمة و تربيتها، فقد كانت دعوته موجهة بالدرجة الأولى للعلماء؛ ليحثهم على الاضطلاع بدورهم في نصرة هذا الدين الذي جعلهم الله رعاة عليه، وقدوة للأمة يقتفون آثارهم، فأرسل إليهم رسالته المشهورة:(رسالة الإمام زيد إلى علماء الأمة)، وقد كان لهذه الرسالة دور كبير في إيقاظ روح المسئولية والقيام بواجب الجهاد في سبيل الله في نفوس هؤلاء العلماء، فكانوا في طليعة الثوار مع الإمام زيد بن علي عليه السلام، فكان جيشه يضم معظم العلماء الربانيين في عصره، وكذا القراء والعباد، فكانوا في مقدمة الثائرين ضد الظلم والطغيان قال الإمام أبو طالب: (وبايعه جمهور أهل الكوفة وكثير من فقهائها، وكانوا يختلفون إليه سراً)، إلى قوله: (ومن الفقهاء الذين اختلفوا إليه وأخذوا عنه أبو حنيفة، وأعانه بمال كثير، وبايعه منهم سلمة بن كهيل، ويزيد بن أبي زياد، وهارون بن سعد[ العجلي]، وأبو هاشم الرماني، ومنصور بن المعتمر).

وكيف لا تنطوي هذه الكوكبة وغيرهم من العلماء العاملين تحت راية هذا الإمام وهو القائل حين خفقت عليه الرايات بين يديه مخاطباً لهم: (الحمد لله الذي أكمل لي ديني، والله ما يسرني أني لقيت محمداً صلى الله عليه وآله وسلم ولم آمر في أمته بمعروف، ولم أنههم عن منكر، والله ما أبالي إذا قمت بكتاب الله وسنة نبيه أنه تؤجج لي نار، ثم قذفت فيها، ثم صرت بعد ذلك إلى رحمة الله، والله لا ينصرني أحد إلا كان في الرفيق الأعلى، مع محمد وعلي وفاطمة والحسن والحسين، ويْحَكُمْ أما ترون هذا القرآن بين أظهركم، جاء به محمد صلى الله عليه وآله وسلم ونحن بنوه، يا معاشر الفقهاء ويا أهل الحِجَا أنا حجة الله عليكم).

وقال: (نحن الأوصياء والنجباء والعلماء، ونحن خُزّان علم الله، وورثة وحي الله، وعترة رسول الله، وشيعتنا رعاة الشمس والقمر).

وقال - والمصحف منشور بين يديه -: (سلوني، فوالله ما تسألوني عن حلال وحرام، ومحكم ومتشابه، وناسخ ومنسوخ، وأمثال وقصص، إلا أنبأتكم به، والله ما وقفت هذا الموقف إلا وأنا أعلم أهل بيتي بما تحتاج إليه هذه الأمة).

فكان بحق إمام العلماء وسيد المجاهدين وقدوة الثائرين، وكانت ثورته ثورة العلماء المجاهدين العاملين، وكان هو وأصحابه حقيقين بما مدحهم به أمير المؤمنين عليه السلام حين قال: (الشهيد من ذريتي والقائم بالحق من ولدي المصلوب بكناسة كوفان إمام المجاهدين، وقائد الغر المحجلين، يأتي يوم القيامة هو وأصحابه تتلقاهم الملائكة المقربون ينادونهم ادخلوا الجنة لا خوف عليكم ولا أنتم تحزنون).

فسلام الله على روحه الطاهرة وعلى أرواح الشهداء الذين قضوا معه نصرة لدين الله ومحبة لله ورسوله، وأشركنا الله في جهادهم، وجعلنا من السائرين على نهجهم، وحشرنا في زمرتهم، بحق محمد وآله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم.