التفتيش القضائي بين القانون والواقع والطموح

نشر بتاريخ: جمعة, 10/05/2019 - 11:23م

الحمد لله رب العالمين.. نحمده، ونشكره، ونستعينه، ونستهديه، ونثني عليه الثناء كلّه، ونصلي ونسلم على خير خلقه؛ سيدنا محمد بن عبدالله وعلى آله الطاهرين وأصحابه المنتجبين ومن وآلاه إلى يوم الدين، أمّا بعد.. فنلفت النظر إلى أن أهمية التفتيش القضائي، تنبع من أهمية العمل القضائي، وأهمية الأخير ترجع إلى أهمية وحجم الولاية التي أناطها الدستور اليمني، وهي " الفصل في جميع المنازعات والجرائم " (مادة 149)، وبالتالي فإن الارتقاء بالعمل القضائي وتطويره وتلافي معوقاته – وما أكثرها –  لا يمكن أن يتم عمليا إلا عن  طريق التفتيش القضائي، ليس لتقييم أداء القضاة فحسب، بل ولتقييم أداء المحاكم؛ لذا فما نطمح إليه وننشده بشأن التفتيش القضائي، لن يتحقق البتة إلا بمراعاة أمرين غاية في الأهمية:

الأمر الأول: أن فصل الخصومات وحل المنازعات بين الناس ليس مجرد وظيفة كغيرها من الوظائف التي يمارسها الموظفون العامون، بل رسالة إنسانية أوكلها الله تعالى ابتداء إلى أنبيائه الكرام عليهم السلام؛ قال تعالى:{يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ} [سورة ص:26]. وقال تعالى مخاطبا نبيه الكريم محمداً ص: {إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللهُ وَلا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا}[سورة النساء:105]. وقد أجاز الله لأنبيائه ولأولي الأمر من بعدهم تفويض غيرهم، ممن يرون فيه الصلاح لأداء رسالة القضاء، ونظرا لسمو هذه الرسالة ورِفعة المكلفين بها؛ فقد نظر العقلاء للقضاء، وتعاملوا مع أهله، وانصاعوا لأحكامه، بالكثير من المهابة والتبجيل والاحترام، واستمر الحال على هذا، وتعارف الناس عليه جيلا بعد جيل عبر العصور؛ فهذا أمير المؤمنين علي بن أبي طالب كرّم الله وجهه يخاطب الأشتر النخعي حين ولاهُ على أمر مِصْر؛ قائلا: "اخْتَرْ للحُكْمِ بين النَّاس أفضلَ رعيَّتك في نَفْسِكَ؛ مِمَّنْ لا تَضيقُ به الأمورُ، ولا تُمَحِّكُهُ الخصومُ، ولا يتمادَى في الزَّلَّةِ، ولا يَحْصَرُ من الْفَيْءِ إِلى الحقِّ إذا عَرَفَهُ، ولا تُشْرِفُ نَفسُهُ على طمعٍ، ولا يَكتَفِي بِأدنَى فَهْمٍ دون أقصاهُ، وأوقَفَهُمْ في الشُّبُهَاتِ، وآخَذَهُمْ بِالحُجَجِ، وأقَلَّهُمْ تبرُّماً بمراجعةِ الخصمِ، وأصبرَهُمْ  على تَكَشُّفِ الأمورِ، وأصَمَهُمْ عند اتِّضاحِ الحُكْمِ، ممَّنْ لا يَزْدَهيهِ إِطْرَاءٌ، ولا يَسْتَمِيلُهُ إغْراءٌ، وأولئك قليلٌ"، ومع ذلك، ونظرا لجسامة ولاية القضاء، يضيف الإمام عَلِيّ عليه السلام، مقررا مبدأ مراقبة أداء القاضي بقوله: "ثُمَّ أكثرْ تَعاهُدَ قضائِهِ". وقبل ذلك وكيما يؤدي القاضي رسالته كما ينبغي، بَيَّنَ الإمام عَلِيّ ما يجب للقاضي؛ بقوله: "وأفْسِحْ له في البَذْلِ ما يُزيحُ عِلَّتَهُ، وتَقِلُّ معه حاجَتُهُ إلى النَّاسِ، وأعْطِهِ من المَنْزِلَةِ لديكَ ما لا يَطْمَعُ فيه غَيْرُهُ من خاصَّتِكَ؛ ليأْمَنَ بذلك اغْتيالَ الرِّجالِ له عندك".

وأخذا من هذا المفهوم القويم لدور القاضي جاءت المبادئ الدستورية المتعلقة بالقضاء؛ ففي هذا الشأن نص  الدستور اليمني – في المادة (49) منه – صراحة وبصورة قاطعة أنّ : "القضاء سلطة مستقلّة قضائيا وماليا وإداريا" (استقلال القضاء كمؤسسة)، ولأن الهدف من استقلال المؤسسة القضائية "ماليا وإداريا"، هو الاستقلال "قضائيا"، فقد أكد ذلك بقوله: "... والقضاة مستقلون لا سلطان عليهم في قضائهم لغير القانون" (استقلال القضاء كجهة حكم)، ثم أعقب ذلك مباشرة بقوله: "ولا يجوز لأيّة جهة  – وبأيّة صورة–  التدخل في القضايا أو في أي شأن من شئون العدالة، ويعتبر مثل هذا التدخل جريمة يعاقب عليها القانون، ولا تسقط الدعوى فيها بالتقادم". كما منح القضاة عددا من الضمانات والحصانات، وعلى رأسها كونهم "غير قابلين للعزل إلا في الحالات وبالشروط التي يحددها القانون، ولا يجوز نقلهم من السلك القضائي إلى أي وظائف أخرى إلا برضاهم..." إلخ (مادة 151 دستور). من مجمل هذه النصوص يُفهم أن القضاء كمؤسسة هو إحدى المؤسسات الدستورية للدولة، وبالتالي فإنها تقف على قدم المساواة مع غيرها من المؤسسات الدستورية للدولة (التشريعية، التنفيذية) وليست مجرد تابع لغيرها، وأن القضاء كجهة حكم مستقل ولا سلطان عليه، حتى من داخل المؤسسة القضائية.

الأمر الآخر: أن تقرير المبادئ والضمانات آنفة الذكر وغيرها، ليس منحة للقضاء ولا ميزة للقضاة، بل لأهمية وحجم الولاية القضائية، وهي – كما أسلفنا –  " الفصل في جميع المنازعات والجرائم "، فممارسة هذه الولاية كما ينبغي ضمان لحماية ما يُعرف بـ"الكليات الخَمْس"، بما فيها بـ"حقوق المواطنين الأساسية"، المقررة دستوريا (المواد 41 – 61). ولأن قيام القضاة بهذه المهام الجسام، سيُعرضهم لضغوط شديدة مادية ومعنوية، قرر أن "يكون للقضاء مجلس أعلى ينظمه القانون ويبين اختصاصاته وطريقة وترشيح أعضاءه..." مبينا مهمته الدستورية بقوله: "... ويعمل على تطبيق الضمانات الممنوحة للقضاة من حيث التعيين والترقية والفصل والعزل وفقا للقانون" (مادة 152). ولأن القضاة مستقلون في قضائهم حتى عن مجلس القضاء الأعلى؛ فإن ممارسة مجلس القضاء لدوره – كما سيأتي– لا يمكن أن يتم إلا عن طريق جهاز متخصص نص عليه القانون هو "هيئة التفتيش القضائي"؛ فهي إذن حلقة الوصل التي تربط بين القضاء كمؤسسة وبين القضاء كجهة حكم.

هذان الأمران اللذان ينبغي ألا يغيبا عن ذهن كل من يطمح للارتقاء بالقضاء وتطويره على نحو يمكنه من أداء رسالته الإنسانية السامية؛ فهل أُخذ هذان الأمران في الاعتبار تشريعا وتطبيقا؟ هذا ما سيتبين من خلال المحاور التالية.

أولا: الوضع القانوني للتفتيش القضائي:

كان قانون السلطة القضائية – قبل تعديل المادة (104) منه بالقانون رقم (15) لسنة 2006م –  ينيط رئاسة مجلس القضاء الأعلى برئيس الجمهورية، باعتباره رئيسا للدولة، فكانت تصدر القرارات المتعلقة بالقضاء – بعد موافقة المجلس – باسم رئيس الجمهورية رئيس مجلس القضاء الأعلى، ولا يخفى ما كان يترتب على هذا من هيبة للقضاء واحترام لقرارات مجلسه، ثم وبالتعديل المذكور أصبح رئيس المحكمة العليا رئيسا للمجلس بحكم منصبه، مع الإبقاء على صلاحية رئيس الجمهورية بالنسبة لإصدار القرارات المتعلقة بتعيين وترقية وتقاعد القضاة بدء برئيس مجلس القضاء وانتهاء بأصغر قاضي في المؤسسة القضائية، وكذلك القرارات الصادرة باللوائح التنفيذية والتنظيمية لمجلس القضاء، وللمحكمة العليا. ثم وبعد زهاء ست سنوات تم تعديل المادة (104) مجددا بالقانون رقم (18) لسنة 2012م، وبموجبه أصبحت رئاسة مجلس القضاء لمن يُعينه رئيس الجمهورية، ولم يتضمن التعديل أي شروط لتعيين رئيس مجلس القضاء الأعلى، سوى شرط واحد هو " ألا تقل درجته عن عضو محكمة عليا" (مادة 104 مكرر).

وضمن هذه التعديلات التي أدخلت على المادة (104) الخاصة بتشكيل المجلس، أضيف إلى تشكيله منصب "الأمين العام لمجلس القضاء الأعلى"، مع أن القانون لم يتضمن أدنى إشارة لوجود أمانة عامة للمجلس، ناهيك عن بيان اختصاصاتها؛ وكان هذا يقتضي أيضا تعديل المادة (107) التي ما زالت – رغم تعديل القانون أيضا عام 2013م –  تنص على أنه: "يكون لمجلس القضاء الأعلى سكرتارية خاصة تتولى تدوين المحاضر والدعوة لاجتماعات المجلس، وإبلاغ الجهات الخاصة بقراراته".

ومَرَدُّ هذا هو العوار الذي شاب النص الدستوري للمادة (152) آنفة الذكر؛ فلم يُبين تشكيل مجلس القضاء ولا اختصاصاته، ولا طريقة ترشيح أعضائه، تاركا كل ذلك للقانون!!! وفي هذا إخلال ظاهر بمبدأ "الفصل بين السلطات"؛ فكيف ساغ ترك تشكيل المجلس المسئول عن "السلطة القضائية" لتقدير "السلطة التشريعية؟!! ولماذا لمْ يتضمن الدستور كل هذا كما فعل بالنسبة لمجلسي النواب والوزراء؟!!  

وأيا كان الأمر – ولئلا نخرج عن موضوعنا – فمجلس القضاء الأعلى وفقا للنص الحالي للمادة (104)، يشكَّل من: رئيس متفرغ، وعدد من الأعضاء، هم: رئيس المحكمة العليا، وزير العدل، النائب العام، رئيس هيئة التفتيش القضائي، أمين عام المجلس، ثلاثة قضاة لا تقل درجة أيا منهم عن قاضي محكمة عليا.  ثم بيّن القانون في المادة (109) اختصاصات المجلس المتمثلة في الآتي:

  1. وضع السياسة العامة لتطوير شئون القضاء.
  2. النظر في جميع الموضوعات التي تُعرض على المجلس؛ في ما يتعلق بتعيين القضاة وترقيتهم وعزلهم ومحاسبتهم وتقاعدهم ونقلهم واستقالاتهم على ضوء المواد المنصوص عليها في هذا القانون.
  3.  تأديب القضاة.
  4. . دراسة مشروعات القوانين المتعلقة بالقضاء.
  5.  النظر في نتائج التفتيش الدوري على أعمال رؤساء وقضاة محاكم الاستئناف والمحاكم الابتدائية؛ لتقدير درجة كفاءتهم، وتحقيق الشكاوى التي تقدم ضدهم، والنظر في الطلبات التي تقدم منهم والتصرف فيها وفقا لأحكام لائحة التفتيش القضائي.

وظاهر من هذا النص أن مجلس القضاء الأعلى ليس جهة معلومات وبيانات، وإنما هو مجلس ضمانات ورسم سياسيات، أي مجلس اتخاذ قرار، وبالتالي لا يستقيم أن يؤدي مهامه اعتماد على مفاهيم هذا العضو أو ذاك؛ فمفاهيم كهذه لا يمكن الاعتماد عليها كثيرا؛ كونها نابعة من خبرات فردية قائمة على مفاهيم شخصية تختلف من شخص إلى آخر ومن وقت إلى آخر، تصيب في جانب وتخيب في جوانب؛ لذا فأمر بأهمية تطوير شأن القضاء  وتوفير الضمانات للقضاة، لا يمكن تحقيقه استنادا على مفاهيم شخصية أو خبرات فردية بل من خلال خبرة متكاملة، أي خبرة تتوفر فيها العناصر التالية:

  1. التنوع: بحيث تشمل كافة محاكم الموضوع والنيابات العاملة في دائرة اختصاصها.
  2. الشمولية: بحيث تشمل محاكم ونيابات الجمهورية، سواء ما كان منها في الريف أو في الحضر.
  3. التجدد: بحيث تكون تلك الخبرة مواكبة لآخر المستجدات وكافة المتغيرات.
  4. الدقة: بتحديد العلل، ومواطنها، وحجم ومدى كل منها، بدقة تصل إلى حد تسمية الأشخاص.
  5. السلامة: بأن تكون تلك الخبرة مبنية على معلومات واقعية، وليس على مجرد السماع أو العلم الشخصي.

ولا يمكن بحال لهذه العناصر الخمسة أن تجتمع معا في خبرات رؤساء الهيئات والأجهزة الممثلة بمجلس القضاء الأعلى، إلا إذا قام المجلس باستنباط واستخلاص تلك الخبرة من خلال هيئة التفتيش القضائي؛ فهي – بحكم مهامها القانونية– الهيئة الوحيدة اللصيقة ميدانيا بالمحاكم والنيابات العامة؛ ومن ثم فهي الأجدر والأقدر بتوفير قاعدة بيانات ومعلومات دقيقة وصادقة، يمكن لمجلس القضاء الأعلى أن يمارس صلاحيته كمجلس ضمانات ورسم سياسات؛ لهذا منح القانون هيئة التفتيش القضائي عددا من الاختصاصات والصلاحيات المهمة والحساسة (المواد 59 ، 94 ، 111 ، 112 من قانون السلطة القضائية)، أهمها:

  1. التفتيش على أعمال القضاة وأعضاء النيابة العامة تفتيشا دوريا ومفاجئا، وذلك لجمع البيانات التي تؤدي لمعرفة درجة كفاءتهم ومدى حرصهم على أداء وظائفهم (مادة 94/أ).
  2. تلقي الشكاوى التي تقدم ضد القضاة وأعضاء النيابة العامة واتخاذ ما يلزم بشأنها وفقا للائحة التفتيش القضائي (مادة 94/ب).
  3. مراقبة سير العمل بالمحاكم وتقديم ما تراه من مقترحات في هذا الشأن إلى لمجلس القضاء الأعلى (مادة 94/ج).
  4. إعداد مشروع حركة تنقلات وترقيات محاكم ونيابات الاستئنافية، ورؤساء وقضاة  المحاكم الابتدائية ووكلاء وأعضاء النيابات الابتدائية (مادتان 62، 65).
  5. إعداد قائمة القضاة المرشحين للمحكمة العليا بمن فيهم رئيس المحكمة ونائبيه (مادة 59).
  6. إجراء التحقيق الأوَّلي ضد كل من يخل من القضاة بواجبات وظيفته (مادة 111/3).
  7. تقديم الدعاوى التأديبية إلى مجلس القضاء الأعلى والترافع أمامه ضد أي من القضاة (مادة 112).

ظاهر مما سلف أنه لا ولن يتسنى لمجلس القضاء الأعلى ممارسة اختصاصاته كما ينبغي، إلا في ظل هيئة تفتيش فعالة، فما مدى انعكاس هذا المفهوم على القانون والواقع؟ الإجابة على هذا التساؤل هو موضوع المحور التالي.

ثانيا: الوضع الواقعي للتفتيش القضائي:

في ظل اعتبار القضاء مجرد وظيفة، والقاضي مجرد موظف، اضطرب الحال وساء المآل، وواقع الحال خير شاهد على ذلك؛ فرغم مرور عقود على وجود هيئة للتفتيش القضائي، إلا أنها لم تقم بدورها القانوني؛ ومَرَدُّ ذلك أن دور الهيئة لـمَّا يزل غائبا لأسباب عدّة، أهمها:

أ ) عدم مراعاة طبيعة الدور المنوط بالهيئة: فقد ظل جهاز التفتيش – ولفترة طويلة– تابعا لوزارة العدل ولمكتب النائب العام، إلى أن جاء التعديل الأخير لقانون السلطة القضائية (بالقانون رقم 27 لسنة 2013م)، ليغير هذا الواقع، ولأن التعديل كان مرتكزا – في الغالب – على مجرد تغيير جملة "وزير العدل" أو "وزارة العدل"، فقد انعكس ذلك على دقة الصياغة في تعديل المادة (92) الخاصة بتشكيل الهيئة؛ فعبارة: "تنشأ بمجلس القضاء الأعلى هيئة للتفتيش القضائي" (فقرة أ)([1])، قد جاءت عوضا عن عبارة: "تشكل بوازرة العدل هيئة للتفتيش القضائي..."([2]). وإذا  كانت كلمة "تُشكل"، مرتبطة بقوله بعدها: "من رئيس ونائب وعدد كاف من القضاة..."؛ فما مبرر كلمة "تنشأ"، والهيئة منشأةٌ أصلا قبل ذلك بعقود؟!!

أما النص في الفقرة (ب) على أن: "تتبع هيئة التفتيش القضائي رئيس مجلس القضاء الأعلى"، فقد أريد به إخراج الهيئة من التبعية لأمين عام المجلس، المسئول المالي والإداري على المجلس كهيئة، يؤكد ذلك  قوله بعدها: "وتخضع لإشرافه". وعليه فالمراد بهذا النص هو التبعية الإشرافية لا الإدارية والمالية، إذ لو كان المقصود هنا تبعية الهيئة لرئيس المجلس تبعية كاملة، فسيكون النص على وجود رئيس لها، مجرد عبث لا معنى له.

ثم أن استقلال الهيئة ماليا وإداريا عن المجلس، ينبغي ألا يُخل بحق شخص رئيس المجلس في الإشراف العام عليها، باعتبارها إحدى هيئات المؤسسة القضائية (مادة 104/2)، بما في ذلك حقه في طلب التقارير منها (مادة 105)، ولا بصلاحياته الإدارية المتعلقة بعمل الهيئة، والمقررة له شخصيا بصريح القانون، والمتمثلة في:

  1.  تلقي نسخة من تقارير التفتيش الدوري والمفاجئ (مادة 93).
  2.  إخطار أعضاء السلطة القضائية المفتَش عليهم بتقارير الكفاءة (مادة 98).

ناهيك عن صلاحياته الأخرى المرتبطة بعمل الهيئة، والمعلقة على موافقة المجلس؛ كإصدار لائحتها (مادة 95)، وندب أعضائها (مادة 92/ز)، وإصدار حركة تنقلات أعضاء السلطة القضائية في إطار المحاكم والنيابات الابتدائية (مادة 65/ج)، ونحو ذلك.

ب) صيرورة الهيئة أشبه بقسم الفائض: نتيجة لعدم مراعاة الدور القانوني المنوط بالهيئة، وربما لعدم الرغبة في أدائها لهذا الدور، فلم تحظَ الهيئة في الغالب بما ينبغي لها من اهتمام؛ فطالما نُدب لها من لا حاجة إليه، أو لا فائدة منه، أو من لا يصلح للعمل القضائي، أو من لم يمارسه أصلا، أو مارسه لفترة لا تمكنه من تقييم أداء غيره. كل ذلك رغم أن المادة (92) التي كانت تشترط صراحة بأن يتم تشكيل الهيئة "من بين قضاة المحاكم، على أن يكونوا من ذوي الخبرة، والكفاءة"، وإذا كانت الهيئة قد حظيت في فترات متقطعة ببعض من تنطبق عليهم هذه الشروط، إلا أن جُلَّهم كان من ذوي الدرجات والمناصب الدُنيا، نتيجة رغبة ذوي الدرجات القضائية والمناصب العليا عن عضوية الهيئة، إمّا ترفُّعا أو خشية فقدان مكانتهم المعنوية، وبعض امتيازاتهم الوظيفية. وإذا كان قد روعي في تعديل هذه المادة بشأن الأعضاء أن " لا تقل درجتهم عن قاضي محكمة استئناف أو رئيس نيابة عامة (أ)" (فقرة ز)، إلا أن النص المعدل قد خلا من بيان الشروط الثلاثة آنفة الذكر؛ وهي أن يتم اختيارهم من بين: العاملين، ذوي الخبرة، وذوي الكفاءة. ولا يخفى أن إغفال شروط مهمة كهذه قد يزيد الطين بَلَّة.

ج) عدم استقلال الهيئة ماليا وإداريا: فالصلاحيات الحساسة المقررة للهيئة، تجعلها الجهاز الأشد والأكثر التصاقا بأعضاء السلطة القضائية العاملين في المحاكم والنيابات؛ لذا لا يمكن إعمال مبدأ استقلال القضاء "قضائيا" على النحو الصحيح إلا بضمان استقلال الهيئة ذاتها، وهذا يستلزم تعديل بعض نصوص القانون لتنص صراحة على استقلالها ماليا وإداريا، شأنها شأن غيرها من هيئات المؤسسة القضائية، أمّا أن تبقى تابعة لرئيس هيئة أخرى – ولها رئيس هو بحكم منصبه عضو بمجلس القضاء الأعلى– فأمر محل نظر.

وعليه فطبيعة عمل التفتيش القضائي – كهيئة من هيئات المؤسسة القضائية–وتكوينها القانوني الجديد، كل ذلك يقتضي أن يُفرد لها في القانون بابا مستقلا يتضمن بيان طبيعة ومستوى العلاقة بين كل قطاع من قطاعيها، وأهم ما يتعلق بعملها من قواعد وضوابط، ويحال ما عدا ذلك إلى اللائحة.

ثالثا: الوضع المنشود لهيئة التفتيش القضائي في ظل التشريعات النافذة:

لكل ما أسلفناه في المحورين السابقين؛ لابد من تفعيل دور الهيئة قولا وعملا؛ لتُحقق الغاية المرجوة من وجودها على أكمل وجه، وهذا يقتضي مراعاة أمرين أساسيين:

الأمر الأول: توفير العدد الكافي من الأعضاء المؤهلين لأداء مهامهم كمفتشين: أي لا بد من مراعاة الكم والكيف معا في من يُندبون للهيئة؛ رغم أن الهيئة قد أضحت مكونة من قطاعين، فإن مجمل أعضائها لا يتجاوز الأربعين عضوا، أما من حيث الكيف، فإن النسبة الأكبر منهم – وإن كانوا مستوفين شرط الدرجة – ليسوا أهلا لأداء مهام بحجم وجسامة التفتيش القضائي؛ لذا – ولضمان تفعيل دوره الهيئة– ينبغي مراعاة التالي:

  • إعادة النظر في نص المادة (92) ليتضمن الشروط الثلاثة آنفة الذكر؛ وهي أن يتم اختيار أعضاء الهيئة من بين القضاة وأعضاء النيابة العامة: العاملين، ذوي الخبرة، والكفاءة. فبدون ذلك لا ولن يتسنى للهيئة أداء دورها في تقييم أداء القضاة وأعضاء النيابة، وتقويم أداء المحاكم والنيابات العامة، بل إن التفريط في شروط كهذه قد يأتي بنتائج عكسية.
  • أن عدد المحاكم الابتدائية والاستئنافية يبلغ (281) محكمة، يعمل بها (807) قضاة، وعدد النيابات العامة الابتدائية والاستئنافية يبلغ (250) نيابة عامة يعمل بها (1206) أعضاء. هذا بالإضافة للمتدربين فيها، والعاملين في وظائف غير قضائية، وغير العاملين (المسكوت عنهم)، الذي يبلغ مجموعهم حوالي (568) شخصا، أي أن دور الهيئة ينصب على قرابة (2581) عضوا من أعضاء السلطة القضائية منتشرين في أصقاع الجمهورية. وعليه ولتؤدي الهيئة واجبها المقرر قانونا وفي الزمن المطلوب، وعلى نحو مقبول – ولن نقول مثالي– فمعنى ذلك أنها بحاجة لحوالي (90) مفتشا مؤهلا لهذا العمل؛ أي تتوافر فيهم الشروط الثلاثة المطلوبة. ونظرا لقلة هؤلاء من جهة، ولحاجة المحاكم والنيابات لذوي الخبرة والكفاءة، فلا شك أن توفير عدد كهذا أمر من الصعوبة بمكان عمليا.  وللجمع بين الحسنيين؛ نرى لزوم مراعاة الآتي:
  1. أن يتوفر للهيئة – إلى جانب الرئيس ونائبيه– ما لا يقل عن (50) عضوا تتوافر في كل منهم الشروط المذكورة؛ فهذا أقل ما يمكن أن يُطلق عليه "العدد الكافي"، علما أن (10) أعضاء من بين هؤلاء سيكلفون برئاسة دوائر الهيئة في القطاعين.
  2. إضافة نص يتيح الاستفادة من ذوي الخبرة والكفاءة العاملين بالمحاكم والنيابات في مهام تفتيش موقوتة بناء على تكليف من رئيس الهيئة.
  3. إضافة نص يُعطي رؤساء محاكم ونيابات الاستئناف أيضا صلاحية استقبال شكاوى المواطنين في المحافظات – باستثناء العاصمة– لتخفيف مشقة انتقال المواطنين من أصقاع البلاد، فما تبين جديته من تلك الشكاوى يتم رفعه إلى الهيئة لتستكمل ما يلزم بشأنها من إجراءات.
  4. الحرص على ما يُسمّى بـ"التدوير" بين أعضاء السلطة القضائية، بتطبيق النص المتعلق بفترة ندب الأعضاء "لمدة سنتين قابلة للتجديد لمرة أخرى فقط"(مادة 92/ز).

الأمر الثاني: توفير الإمكانات المادية الكافية للهيئة: ولا نقصد هنا مخصصات أعضائها وموظفيها من مرتبات ومكافآت مقطوعة، ونحو ذلك، بل ما يكفل للهيئة أداء مهامها المقررة قانونا، على نحو صحيح وبصورة منتظمة؛ وذلك على النحو الآتي:

  • تفتيش دوري كل عام: لا يشمل جميع محاكم ونيابات الجمهورية – كما قد يُفهم من نص المادة (93) – فهذا غير ممكن من الناحية العملية، ولكن يجب أن يشمل شريحتين من أعضاء السلطة القضائية:
  1. كل من حل دوره للترقية، سواء كان يعمل بالمحاكم والنيابات أو منتدبا لعمل غير قضائي في أي من هيئات المؤسسة القضائية، أو خارجها.
  2. كل من تقرر – لسبب أو لآخر– إعادة التفتيش عليه خلال الفترة الزمنية التي يحددها القرار.
  • تفتيش أولي؛ يشمل من يقضون فترة التدريب والتأهيل المنصوص عليها في المادة (57)، من متخرجي المعهد العالي للقضاء؛ لا لتقدير كفاءتهم، بل لمعرفة صلاحيتهم لتولي القضاء.
  • تفتيش مفاجئ عام؛ لمراقبة سير العمل في المحاكم والنيابات، بواقع مرتين إلى ثلاث في السنة.
  • تفتيش مفاجئ خاص، ويشمل المحاكم والنيابات التي يثور لغط حول مجمل أدائها، أو القضاة وأعضاء النيابة الذين تتضمن تقارير كفاءتهم ما يوحي بانحراف مسلكي.
  • النزول الميداني؛ لتحقيق كثير من الشكاوى التي تتلقاها الهيئة.
  • ما يلزم لأعضاء الهيئة من حوافز، وذلك بإعمال نص المادة (44) من لائحة الهيئة التي تقضي بأنه " لا يؤثر نقل القضاة وأعضاء النيابة العامة للعمل بالهيئة على الحقوق والمميزات التي كانوا يتمتعون بها، ولهم – طوال فترة عملهم بالهيئة– ما لزملائهم بالمحاكم والنيابات من حقوق بالإضافة إلى البدلات والحوافز المالية التي تقتضيها طبيعة عملهم كأعضاء في الهيئة..." كبدل التفتيش، والتحقيق، ووسائل المواصلات، والتأمين الصحي.

فبدون تفعيل دور الهيئة بحيث تقوم بمهامها المذكورة آنفاً، فإن ما يُعطى للعاملين بها من مرتبات ومكافآت مقطوعة بمثابة إهدار للمال العام وتعطيل للكفاءات؛ إذ لا يخلو إمّا أن يكون المنتدبون للهيئة أكْفَاء كمفتشين أو غير أكْفَاء؛ فإن كانوا أكْفَاء فوجودهم في الهيئة دون عمل تعطيل لكفاءات، المحاكم أو النيابات بأمس الحاجة لها، وإن لم يكونوا كذلك فإن ندبهم للعمل بالهيئة محل نظر عقلا وقانونا؛ إذ يجعل منها ملاذا للبطالة المقنَّعة، ومن ثَمَّ وجودها والحال هذه أسوأ بكثير من عدمها؛ فسوء أداء المختبر الذي يشخص الاعتلالات ويقترح أساليب معالجتها، ينعكس على أداء الطبيب، فتكون العواقب وخيمة على العليل.

ختاما: إن ما ذكرناه في البند الأخير هو ما ننشده لهيئة التفتيش القضائي كجهاز قائم في ظل التشريعات النافذة، أما ما نطمح إليه فهو أكثر من ذلك، ويفتقر لتعديلات دستورية وقانونية تقوم على أساس مفاهيم قويمة تستوعب أهمية القضاء وقدسية رسالته، بدءً بما استهلينا به موضوعنا، وهو أن القضاء كجهة حكم يؤدي رسالة إنسانية وشرعية سامية وليس فقط مجرد وظيفة كغيرها من الوظائف، وأن القضاء كمؤسسة يقف على قدم المساواة مع غيره من المؤسسات الدستورية للدولة التشريعية منها والتنفيذية، وليس مجرد تابع لهذه المؤسسة أو تلك.

والله الموفق والهادي إلى سواء السبيل

 

 


([1]) تمام هذه الفقرة: "... على أعمال أعضاء السلطة القضائية وتقييم أدائهم".

([2]) كان نص هذه العبارة في القرار بقانون رقم (23) لسنة 1976م: "تكون في وزارة العدل هيئة للتفتيش القضائي تؤلف برئاسة أحد قضاة محكمة الاستئناف العليا وعضوية عدد كاف من قضاة المحاكم..." (مادة 48)، ثم صدر القانون رقم (28) لسنة 1979م، وصار نص العبارة:  "تُشكل بوزارة العدل هيئة للتفتيش القضائي من رئيس ونائب وعدد كاف من القضاة..." (مادة 81)، وهكذا في القانون رقم (1) لسنة 1991م (مادة 92).

الدلالات: